الثعلبي

293

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

أردت أن تخاصمني بفيك أم أن تحاجّني بخطابك أم أردت ان تكابرني بضعفك ؟ أين أنت منّي يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها ؟ هل علمت بأي مقدار قدّرتها أم كنت معي تمد بأطرافها ، أم تعلم ما بعد زواياها أم على أىّ شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض ، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاءً ؟ أين كنت منّي يوم رفعت السّماء سقفاً في الهواء لا بعلائق سُيّبت ولا يحملها دعم من تحتها ؟ هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسيّر نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها ؟ أين أنت منّي يوم سخّرت البحار ونبعت الأنهار ؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدّتها ؟ أين أنت منّي يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال ؟ هل لك من ذراع يطيق حملها أم هل تدري كم من مثقال فيها ، أم أين الماء الذي أنزلت من السماء ؟ هل تدري أُمٌّ تلده أو أبٌ يولدهُ ؟ أحكمتك أحصت القطر وقَسمت الأرزاق ، أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه الماء ؟ هل تدري ما أصوات الرعود أم من أىّ شيء لهب البرق ؟ وهل رأيت عمق البحر ، أم هل تدري ما بعد الهواء ، أم هل خزنت أرواح الأموات ، أم هل تدري أين خزانة الثلج ، أو أين خزائن البرد ، أم أين جبال البرد ، أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار ، وأين خزانة النهار بالليل ، وأين طريق النور ، وبأىّ لغة تتكلّم الأشجار ، وأين خزانة الريح ؟ وكيف تحبسه الأغلاق ؟ ومن جعل العقول في الرّجال ؟ ومن شق الأسماع ؟ ومن ذلّت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم أرزاق الدوابّ بحكمته ؟ من قسّم للأُسد رزقها وعرّف الطير معاشها وعطفها على أفراخها ؟ من أعتق الوحش من الخدمة وجعل مساكنها البريّة ، لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلّطين ، أم حكمتك عطفت أمهاتها عليها حتى أخرجت لها الطعام من بطونها وآثرتها بالعيش على نفوسها ، أم من حكمتك تُبصّر العقاب الصيد البصر البعيد وأصبح في أماكن القتلى ؟ أين أنت منّي يوم خلقت يهموت مكانه في مقطع التراب والوثبان يحملان الجبال والقرى والعمران ، آذانهما كأنها شجر الصنوبر الطوال ، ورؤسهما كأنها كوم الجبال ، وعروق أفخاذها كأنها عمد النحاس ، أنت ملأت جلودهما لحماً أم أنت ملأت رؤسهما دماغاً ؟ هل لك في خلقهما من شرك أم لك بالقوة التي غلبتها يدان ؟ هل تبلغ من قوّتك أن تضع يدك على رؤوسهما أو تقعد لهما على طريق فتحبسهما أو تصدّهما من قوتهما ؟ أين أنت يوم خلقت للتنّين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب ؟ عيناه توقدان ناراً ومنخراه يثوران دخاناً ، أُذناه مثل قوس السحاب ، يثور منهما لهب كأنّه إعصار العجاج ، جوفه يحترق ونفسه تلتهب وزبده جمر كأمثال